الشيخ محمد رشيد رضا

389

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أقول : إن من دقق النظر في هاتين الحالين ووقف على تصرف الأولياء فيهما . يرى أنهما مما يعرض فيه التأول ومخادعة النفس للانسان لاختلاف الناس في حد الاسراف وخفاء وجه منفعة الولي في المسابقة إلى بعض الأعمال في مال اليتيم ، وما كان موضع خلاف وخفاء لا ينكره ولا ينتقده جمهور الناس ومن أنكره يسهل الرد عليه وتأول ما فعله الولي والقول بأنه تصرف وضع في محله وعمل في وقته . ومثل هذا مما قد تغش الولي فيه نفسه حتى يصدق أنه لا حرج فيه ، وقد يعلم أنه تصرف غير جائز في الباطن ويكتفى بأنه لا يمكن أن يمارى فيه أحد مراء ظاهرا تتضح فيه خيانته ، فلأجل هذا وذاك صرح الكتاب الحكيم بالنهى عنه ليتدبره أولو الألباب أما الأكل منها بغير إسراف ولا مبادرة خوف أخذها عند البلوغ والرشد - كما هو شأن الخائن - فقد ذكر حكمه في قوله وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي فمن كان منكم غنيا غير محتاج إلى مال اليتيم الذي في حجره وثحت ولايته فليعف عن الأكل من ماله أو ليطالب نفسه ويحملها على العف عنه نزاهة وشرف نفس . ومن كان فقيرا لا يستغنى عن الانتفاع بشئ من مال اليتيم الذي يصرف بعض وقته أو كله في تثميره وحفظه فليأكل منه بالمعروف الذي يبيحه الشرع ولا يستنكره أهل المروءة والفضل ولا يعدونه طمعا ولا خيانة . وقد اختلف المفسرون والفقهاء في الأكل بالمعروف الذي أذن اللّه به للولي الفقير فقيل هو القرض يأخذه بنية الوفاء ، وروى هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس رضى اللّه عنهما وعبارة الأخير في بعض روايات ابن جرير : ان كان غنيا فلا يحل له من مال اليتيم أن يأكل منه شيئا وإن كان فقيرا فليستقرض منه فان وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف . وقال مثله سعيد بن جبير وزاد : وان حضره الموت ولم يوسر يتحلله من اليتيم وان كان صغيرا يتحلله من وليه . وهو يعنى وليه الذي يكون بعده . وعن الشعبي لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فان أكل منه شيئا قضاه . واختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف فعن ابن عناس يأكل بأطراف أصابعه . ووضحه السدى فقال يأكل معه بأصابعه لا يسرف